محمد هادي معرفة
92
شبهات وردود حول القرآن الكريم
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا . فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا . فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً . فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا . فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ . قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا . . . فَأَشارَتْ إِلَيْهِ . قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ . . . . « 1 » يبدو من هذه الآيات أنّ مريم اختارت لعبادتها أرضا غير آهلة بعيدة عن مساكن أهلها لتختلي بعبادة ربّها دون أعين الناظرين . وفي هذا الدور جاءها ملاك الربّ ليبشّرها بالمسيح . ولمّا حملت به أخذت تبتعد أكثر خوف الفضيحة . وكان هناك ( في المكان القصيّ ) نخل ومعين ماء ، فوضعت حملها هناك بعيدا عن الناس كافّة . وأمرها الملاك أن لا تتكلّم مع أحد يمرّ عليها أو تمرّ عليه بحجّة أنّها صائمة صوم صمت . فكانت مختلية بنفسها وولدها يعيشان في هدوء وفراغة بال . بعيدا عن هرج العامّة . وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً . وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ . « 2 » وكم عاشا هناك في خلأ من الناس ؟ يبدو أنها لم تعش هناك سوى سنتين أو ثلاث ، لأنّها حين رجعت إلى قومها كانت تحمل طفلها ، ولا بدّ أنّ الطفل عندما يبلغ مثل هذا السنّ قادر على التكلّم ، وليس ذلك بغريب . أمّا قولهم : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا فلعلّه من جهة أنّهم استغربوا أنّها جاءت بولد وهي غير متزوّجة ، فلا بدّ أنّها هي المجيبة على ذلك ، وليس الطفل - الذي هو نتاج الحمل - بمسئول ولا قادر على حلّ الإشكال . فالطفل غير عارف بسبب هذا الإنتاج ، فلا معنى للسؤال منه ! لكنّهم عندما واجهوا كلام المسيح في رزانة وتعقّل متين ، عرفوا أنّ ذلك آية من آيات اللّه ، فلا موضع للاستغراب !
--> ( 1 ) مريم 19 : 16 - 30 . ( 2 ) المؤمنون 23 : 50 .